ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي
238
الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية
فيه أن مسكنه الرأس والدماغ فصار محل الحسن والحركة الشم والذوق والسمع والبصر . وأما حديث أهل الحكمة فهم يزعمون أن مسكنه الرأس والدماغ ؛ لكون الرجل إذا لحقه طيش ووجع برأسه خفّ عقله وقلّ وعيه ، فاعتمدوا على أنه في الرأس . وأما العلماء فقد قال بعضهم : العقل عقلان تفرد كل بصنعته ، وعقل يستفيده المرء بتأديبه ، والصحيح من قول العلماء أن العقل في القلب ؛ لقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ألا إن في الجسد مضغة - أو بضعة - إذا صلحت صلح الجسد وإذا فسدت فسد الجسد ألا وهي القلب » « 1 » فإذا فكر المعبر المقتدي والفقير المبتدي والعارف المنتهي والمحب المستضيء والواصل المنزلي في كنه العقل ، فبعقل الرأس يدبر أمر الدنيا ، وبعقل القلب يدبر أمر الآخرة ، فيكون مستبصرا بنور الهدى مستضيئا بدفقات جمال الاقتداء وبنار علمت مناجاة الاصطفاء والاجتناء ، فمن جاهد شاهد ، ومن رقد تباعد ، قال اللّه تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ( 69 ) [ العنكبوت : 69 ] جعل الاجتهاد للكسب وسببا للهداية وفي مكان آخر جعل ذلك عبرا متعلقة ، فقال جلّ وعلا : يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ [ الشّورى : 13 ] وقد قيل : من هو العاقل ؟ قال : هو الذي لا يعصي اللّه تعالى من أجل لقمة طيبة يأكلها ، وقيل : من العاقل ؟ فقيل : من عمر بيته قبل أن يسكنه ، وقيل : من العاقل ؟ قال : من لم تسره الدنيا وما فيها ، وقيل : من العاقل ؟ قال : من تزود ليوم معاده ؛ والعاقل من علم أن عليه حسابا وعقابا وله ثواب ومآب وقبر وسؤال وقدّامه عقبات وأهوال وصراط ، وميزان وبعث وموت وضغطة وحرقة القبر ، وضجة النشور ، وصعقة النفخ وأهوال البعث وشدته وطول الموقف وصدمته ، ومصدم المؤودة ، وسوق الخلق والتجامهم بالعرق ، ونار الحرق وأليم القلق ، وأشخاص الأمق وازورار الحدق ورجيف الحقق وتقديم الدواوين ونصب الموازين وقراءة الكتاب وتطاير الصحف وهول الرجيف وميد الأرض في الطول والعرض وسوقهم إلى بين يدي الملك الديّان والرجيف والخوف ودقة القلب ، ورقة الصراط ، وخفة الميزان والمحاسبة على الذرة والبرة ، وعلى اللحظة والخطرة ، وعلى الكلمة والفكرة الرديئة ، وعلى الخطرة والخاطبة ، وعلى السعي إلى معصية على البطش والمشي إلى المحرمات والمآثم الموبقات ، لقوله تعالى وهو أصدق القائلين : لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ
--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .